Thursday, July 05, 2007

فــي جـــوار نـيــــــل القاهـــــرة

كتب: أسامة غريب


عندما سألت الصديق علي الديري عن المكان الذي يود أن نلتقي به أثناء زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي وبصحبته الأديب حسين المحروس، لم يتردد في أن يطلب أن نلتقي في مكان هادئ على النيل. والحقيقة أن هذا الطلب قد فاجأني وأدهشني، ومصدر الدهشة أنه ذكّرني بأنني أعيش بمدينة القاهرة التي يخترقها نهر النيل منذ مولدي، ومع ذلك لا أكاد أذكر آخر مرة جلست فيها في كازينو على النيل.. ذلك النهر الخالد الذي لا أكاد أشعر بوجوده من فرط قربي منه، ودائماً ما أحتاج إلى أصدقاء يفدون من خارج مصر حتى أستعيد أمسيات الصيف الجميلة على ضفافه.



قد كانت بالفعل أمسية جميلة تبادلنا فيها "الحكي" و ضحكنا من القلب. استلفت انتباهي أمر لم أكن أدركه عن أهل البحرين، ذلك أن العربية السعودية بتأثيرها الإعلامي الكبير قد تركت لدينا انطباعاً بأن سكان الخليج جميعاً يشكلون نسيجاً واحداً متماثل السمات من حيث الملبس واللهجة والطباع والمزاج العام، وهو ما تبينت عدم صحته على مدى سنوات العمر التي زرت فيها الكويت والإمارات وقطر إلى جانب السعودية.


بقيت البحرين وحدها التي لم أحظ بفرصة زيارتها، وأجد اليوم نفسي راغباً في أن أقدم اعتذاري عن الفكرة غير الدقيقة التي كانت عندي عن البحرين.. هي لم تكن فكرة سيئة بأي حال من الأحوال، لكنها لم تكن دقيقة، اكتشفت مثلاً أن البحرينيين يشبهوننا في مصر كثيراً، على سبيل المثال أسماء البشر.. هي الأسماء نفسها التي نعرفها في مصر، ولا وجود في البحرين للأسماء البدوية المعروفة في بلدان الخليج، ولم أكن أتصور أن شخصاً باسم حسين المحروس مثلاً يمكن أن يكون غير مصري. كذلك المزاج النفسي المصري المائل للضحك والسخرية وجدت نصيباً وافراً منه لدى حسين وعلي.


حكيت لهما ونسمات رقيقة تعبر صفحة النهر عن بعض الزملاء من البحرين الذين درسوا معي في كلية الإعلام بجامعة القاهرة منذ ربع قرن، ومازلت أتذكر من بينهم فتاة بحرينية تميزت بالذكاء والثقافة وابن عمها الذي كان يلازمها كظلها، وكيف كانت تضيق بحصاره ورقابته في محاولة منه لمنعها من مصادقة المصريين الأشرار، كان يضيق عليها الخناق، وكانت تضع معنا الخطط للإفلات من الحصار والذهاب معنا لزيارة متحف مختار ومعرض الفن الحديث والندوات الأدبية والأمسيات الشعرية وحضور ليالي الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، وقد عادت مع ابن عمها إلى البحرين بعد انقضاء العام الدراسي، ومع بداية العام الجديد بحثنا عنها فلم نجدها، وعندما سألنا عنها ابن عمها أجابنا بنبرة لا تخلو من الشماتة بأنها تزوجت ولن تعود للدراسة.



وكالعادة في مثل هذه اللقاءات التي تدور بين أهل البلدان العربية المختلفة لابد أن يتطرق الحديث إلى أحوال العرب التي لا تسر، ودائماً ما تكون الهموم واحدة.. حدث هذا معي وأنا بصحبة أصدقائي في بيروت وفي تونس، المغرب، الكويت، الأردن، وليبيا.. الفارق هو أن الحديث كان يدور همساً في دمشق وتونس وبنغازي خوفاً من الحيطان التي تسترق السمع ثم تنقض على المتحدثين، على العكس من حوائط القاهرة التي تسترق السمع أيضاً ثم تترك المتحدثين في حالهم إدراكاً منها أنهم أعجز وأضعف من أن يزعجوها على نحو جدي.



لقد حصل المثقفون في القاهرة بعد طول نضال على الحق في انتقاد السلطة والتشهير بها من دون أن يؤدي هذا إلى أي تغيير في توجهات السلطة أو قراراتها المتجهة دوماً عكس مصلحة الناس، وهذا الأمر خلق حالة مصرية خالصة.. صحف حكومية تطبع بأعداد كبيرة، تتغنى بروعة النظام الحاكم وجماله وعظمته، وهذه لا يقرأها أحد ويقال إن عدد النسخ المرتجعة منها أكبر من المطبوع، وصحف معارضة تصدرها أحزاب هشة يغلب على أدائها العصبية والتشنج وتعارض سياسات الحزب الحاكم في الوقت الذي يتحالف زعماؤها في السر مع الحزب الذي يعارضونه علناً، ثم تبقي الصحف المستقلة التي يزداد توزيعها باضطراد بعد أن أقبل عليها المصريون كبديل لصحف الموالسة، لكن على رغم الحيوية البادية على السطح في الحالة المصرية.. إلا أن
الأمر لا يتجاوز حدود النباح في ظل غياب أصحاب المصلحة الحقيقيين.



هذا هو ملخص الحالة التي نقلتها للإخوة من البحرين ونحن على شاطئ النيل، ولا شك أن أحوال مصر ليست غريبة عليهما وهما المتابعان الجيدان لأحوال مصر السياسية والثقافية. أما أنا فقد كان يهمني أن أطلع على الخريطة
الاجتماعية والثقافية والسياسية في البحرين، وقد علمت ما أزال قدراً من حالة الجهل التي كنت عليها، ولكن تبقى البحرين حالة جديرة بالاهتمام والمتابعة بعد أن ثار اهتمامي بهذه الجزيرة الصغيرة المليئة بالحيوية والنشاط، صاحبة حضارة دلمون القديمة.
---------------------
نقلا عن صحيفة الوقت
الخميس 5 يوليو 2007