Monday, May 22, 2017

داليا زيادة: سمعة المجتمع المدنى في مصر أصبحت سيئة.. وتلك هى المشكلة - حوار في جريدة الوطن المصرية



* داليا زيادة: سمعة المجتمع المدنى أصبحت سيئة.. وتلك هى المشكلة

* مدير «المصرى لدراسات الديمقراطية»: ليس منطقياً أن تذهب لرجل جائع ومريض وليس لديه مسكن وتحدثه عن حقه فى حرية التعبير

* التشكيل الحالى لـ«قومى حقوق الإنسان» انتهت صلاحيته على مستوى القانون والأداء 

* ثقافة الشارع المصرى تميل لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية



قالت داليا زيادة، مدير المركز المصرى للدراسات الديمقراطية الحرة، إن المجتمع المدنى يمر بمرحلة خطرة فلم يدخل للمجال أى دماء جديدة خلال السنوات الخمس الماضية، ولفتت إلى أن بعض قيادات العمل الحقوقى فى مصر ما زالوا مُصرّين على خلط المدنى بالسياسى، ومواصلة الضغط على صانع القرار فى اتجاهات خاطئة تماماً، دون فهم أولويات المرحلة. وأوضحت «داليا»، فى حوارها لـ«الوطن»، أنه لا بديل للتمويل الأجنبى للمنظمات الحقوقية، لأن ثقافة الشارع المصرى تميل أكثر لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية، وأكدت أنها متفائلة بمستقبل المجتمع المدنى فى مصر، لافتة إلى أن المرحلة الحالية مرحلة فرز ستبقى على الصالح وتستبعد الطالح.. وإلى نص الحوار.


من خلال عملك فى الحقل الحقوقى.. كيف تصفين واقع المجتمع المدنى فى مصر؟

المجتمع المدنى فى مصر، بشقيه الخيرى والحقوقى، يتمتع بقوة وتاريخ يقارب قرناً كاملاً من العمل، جعله يصمد فى كل الظروف التى مرت بها مصر، من حروب وثورات وتقلبات اجتماعية وسياسية، لكن فى السنوات القليلة الأخيرة، شهدنا تراجعاً فى دور المنظمات الحقوقية المهتمة بالحقوق المدنية والسياسية فى مقابل تقدم ملحوظ فى دور المنظمات التنموية المهتمة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وربما السبب هو الأولويات التى تفرضها مرحلة إعادة بناء الدولة بعد ثورتين، والتراجع العالمى بالاهتمام بالعمل الحقوقى فى السنوات الثلاث الأخيرة بسبب التهديدات الإرهابية التى لم تترك بقعة آمنة فى العالم كله.


 وما التحديات التى تواجه المجتمع الحقوقى فى مصر وكيف يمكن مواجهتها؟

التحدى الأول والأكبر هو مسألة التحزب السياسى للمنظمات الحقوقية، وهى آفة ممتدة منذ العقد الأخير فى حكم مبارك، حيث لجأ كثيرون إلى المجتمع المدنى كمتنفس لممارسة الأنشطة التى لم يستطيعوا تنفيذها عبر الأحزاب السياسية الضعيفة وقتها، مما أدى إلى انخراط المنظمات الحقوقية فى العمل السياسى بما يخالف القانون ويخالف الأهداف المدنية التى تأسست من أجلها، فأصبحنا نرى المنظمات الحقوقية تصنف إلى ليبرالية ويسارية ويمينية، وهذا تصنيف حزبى وليس حقوقياً. 

والتحدى الثانى، هو عدم وجود مصادر تمويل كافية، خصوصاً أن عمل المنظمات الحقوقية غير ربحى، وثقافة الشارع تعزز فكرة دعم المشروعات الخيرية والتنموية بتبرعات، حتى إن رجال الأعمال المصريين والعرب يقبلون أكثر على دعم هذا النوع من المشروعات، على عكس موقفهم من المشروعات المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، كما أن أغلب الجهات المانحة الأوروبية والأمريكية توقفت عن تمويل المنظمات الحقوقية المصرية منذ عام 2012 بعد فتح قضية التمويل الأجنبى، وكل هذا أدى إلى أن عدداً كبيراً من المنظمات أغلقت تماماً، وبعضها توقف عن العمل فى مصر وانتقل لدول عربية أخرى مثل تونس، وبعضها الآخر ما زال يعمل بأقل الإمكانيات المتاحة. 

أما التحدى الثالث، فهو فى رأيى أخطرها -لو لم نجد له حلاً عاجلاً- هو قلة القوة البشرية بما يهدد قدرة الحركة الحقوقية على البقاء بشكل مؤثر لحقب مستقبلية، فمنذ نحو خمس سنوات لم يدخل المجتمع الحقوقى دماء جديدة، ولم يتم تأهيل وتقديم أجيال جديدة من الحقوقيين الشباب، ولو استمر الحال سينتهى بنا الأمر إما لوقوع فجوة بين الجيل الحقوقى الحالى والذى أنتمى له، والجيل الذى يليه والذى لا نعرف متى سيتشكل أو كيف فى ظل الأزمة الحالية، أو السيناريو الأسوأ أن يضعف العمل الحقوقى بمرور الوقت وينتهى دوره مع انتهاء الجيل الحالى.


وما سر الجفوة بين عدد من منظمات المجتمع المدنى والحكومة الحالية؟

- القضية لها بُعدان، البعد الأول يُلام عليه بعض قيادات العمل الحقوقى فى مصر الذين ما زالوا مصرّين على خلط المدنى بالسياسى، ومواصلة الضغط على صانع القرار فى اتجاهات خاطئة تماماً دون فهم أولويات المرحلة، فترى مثلاً فى الوقت الذى تحارب فيه مصر الإرهاب، يخرج من يدافع عن حقوق الإرهابيين ويصفهم بالضحايا لو قامت قوات الشرطة بضبطهم أو تصفيتهم، فى حين لا نسمع منهم شيئاً حين تقوم فرنسا أو بريطانيا بشىء مماثل. 

أما البعد الثانى فيتعلق بالتأخير فى استكمال ملفات يحتاجها الشرفاء فى المجتمع المدنى للقيام بدورهم، ومنها التأخر فى إصدار قانون الجمعيات الجديد الذى نحتاجه لنعرف حدود الإطار الشرعى لعملنا، وأيضاً التأخر فى البت فى قضية التمويل الأجنبى، وإدانة من أخطأ وتبرئة من ليس له ذنب، حيث إن استمرار فتح القضية فى حد ذاته، رغم أنها تخص عدداً محدوداً جداً من المنظمات غير الشرعية، يسىء للمجتمع المدنى كله فى عين الشارع.


 ما التمويل البديل الذى تعتمد عليه منظمات المجتمع المدنى بعد التضييق على التمويل الأجنبى؟

لا يوجد تمويل بديل للمنظمات الحقوقية للأسف، ثقافة الشارع المصرى تميل أكثر لتمويل المنظمات الخيرية وليس الحقوقية، ولهذا فإن أغلب المنظمات التى ما زالت صامدة بدون تمويل حتى الآن تعتمد بالكاد على أعضائها أو مجالس إدارتها فى تمويل أنشطتها.


هل الدولة تدعم المجتمع المدنى مادياً؟

- نعم هناك دعم مادى ومعنوى كبير تقدمه الدولة ممثلة فى وزارة التضامن الاجتماعى ووزارة المالية لمنظمات المجتمع المدنى، لكنه فى أغلبه موجه للمنظمات الخيرية والتنموية، وجزء ضئيل جداً منه يوجه للأنشطة الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية بين الحين والآخر، وفى الغالب يذهب هذا الجزء الضئيل للمجلس القومى للمرأة أو المجلس القومى لحقوق الإنسان وليس للمنظمات الحقوقية المستقلة.


متى تتفهم الدولة ضرورة التمويل لاستمرار عمل المنظمات؟

- الدولة تحدد علاقتها بالمجتمع المدنى عبر القانون، والقانون بالفعل يسمح بتلقى تمويل ويعترف بأهميته، لكن هذا فقط للمنظمات التى تعمل فى إطار شرعى وتخضع لقانون الجمعيات. وفى القانون الجديد الذى لم يفعل بعد، هناك مواد تلزم الجهة الإدارية بالتعجيل فى إجراءات حصول المنظمة على التمويل لضمان استمرار عملها ونموه، المشكلة الحقيقية هى فى السمعة السيئة التى أصابت المجتمع المدنى بعد ثورة يناير بسبب الهجوم عليه، اعتماداً على إساءة قلة قليلة للعاملين به استغلال مسألة التمويل فى غير محلها.


وكيف يمكن تصحيح الصورة السلبية عن مصطلح المجتمع المدنى لدى الشارع؟

الخبر الجيد أن الأحداث التى مرت بها مصر جعلت المواطن ناضجاً سياسياً، وأصبح لديه القدرة على التمييز بين الصالح والطالح من العاملين فى مجال حقوق الإنسان، وأيضاً فرز وتقييم ما يقدم له فى الإعلام، ولكى يُصلح الجانب الشريف فى المجتمع المدنى هذا الانطباع السيئ عند المواطنين المسألة ستأخذ وقتاً ومجهوداً من جانب المنظمات، علينا أن نخرج من الصندوق الضيق الذى حبسنا أنفسنا فيه مع المواثيق الدولية والتجارب العالمية التى لا علاقة لها بواقعنا، ونعيد صياغة دورنا ورؤيتنا من جديد فى ظل أولويات هذا المواطن، فليس منطقياً أن تذهب لرجل جائع ومريض وليس لديه مسكن وتحدثه عن حقه فى حرية التعبير. أعتقد أن الأولوية الآن لدى المواطن ولدى الدولة هى فى تنمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعندما تتحقق هذه الحقوق وتستقر، سيتمكن المواطن تلقائياً من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية التى اكتسبها عبر حراك شعبى وكفلها له الدستور الحالى بالفعل.


برأيك.. متى كان المجتمع المدنى يعمل وسط أجواء من الحرية الكاملة فى مصر؟

لم يحدث هذا مطلقاً، لا فى مصر ولا فى أى دولة أخرى فى العالم، لكن أنا متفائلة أنه بعد إصدار القانون الجديد سيعتدل الحال شيئاً فشيئاً، تفعيل القانون هو أول خطوة لتحديد الإطار السليم للعلاقة بين دور الدولة الإشرافى وحرية عمل المجتمع المدنى بما يحقق مصلحة الوطن والمواطن فى النهاية.


وما تقييمك لأداء «القومى لحقوق الإنسان»؟

- الأمانة الفنية فى المجلس القومى لحقوق الإنسان رائعة، لديهم باحثون ومديرو مشروعات على كفاءة عالية مكنته من أن يحصل على التصنيف (أ) فى الأمم المتحدة فى وقت قياسى، لكن التشكيل الحالى لأعضاء المجلس وأداءهم لدىّ عليه كثير من الملاحظات، بالكاد أربعة أشخاص فى هذا التشكيل هم من لديهم خبرة حقوقية محلية ودولية يعتمد عليها، ويؤدون دورهم بإخلاص وفهم لطبيعة عمل المجلس ودوره، أما البقية فوقعوا للأسف فى فخ الخلط بين السياسى والحقوقى وربما السبب أنهم أصلاً ليسوا حقوقيين، وأحضروا معهم انتماءاتهم السياسية إلى المجلس واستغلوا مناصبهم فيه فى الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وليس دعمها وهو الدور المنوط بهم كهيئة وطنية مسئولة عن دعم الدولة فى تعزيز حقوق الإنسان بما يتناسب مع ظروفها وأولوياتها، وليس تحدى الدولة وتعمد الوقوف على السلبيات دون الإيجابيات، فقط لإيهام الرأى العام أنهم يقومون بعمل شىء، وأبرز مثال على ذلك أننا لم نرَ أى تحرك ملموس ومؤثر للتشكيل الحالى للمجلس باستثناء زيارات السجون وكتابة تقارير عنها. أعتقد أن التشكيل الحالى قد انتهت صلاحيته على المستوى القانونى وعلى مستوى الأداء أيضاً، وآن الأوان لتغييره بدماء جديدة من حقوقيين متخصصين على قدر من الكفاءة والتفهم لطبيعة الدور المنوط بهم.

Wednesday, April 05, 2017

بعد لقاء السيسي وترامب... مصر في المثلث الأقوى أثراً على العالم


إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع هي زيارة تاريخية بكل المقاييس، ليس فقط لأنها أتت بعد أربعة عقود من الشد والجذب بين الطرفين، أو لأنها الأولى التي نلحظ فيها تلك الحفاوة والإعجاب من قبل رئيس أمريكي برئيس مصري منذ السادات، وليس لأنها الأولى التي تقترب فيها مصر من أمريكا كشريك ذو رؤية ومصالح واضحة يتفاوض بشأن تحقيقها، ولكن لأن نجاح هذه الزيارة يرسم شكلاً جديداً لكوكب الأرض تحت مثلث القوى الأكثر تأثيراً في عالمنا اليوم.

هناك ثلاث زوايا لهذا المثلث، أولها بيد الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأعظم والمتحكم الرئيسي في كل المجريات السياسية والاقتصادية التي تسير عالمنا، وثانيها بيد روسيا، التي لها نفوذ كبير عبر قوتها العسكرية والناعمة أيضاً على كل ما هو شرقي، بدءاً من شرق أوروبا إلى شرق منطقتنا أيضاً، لدى روسيا علاقات ومصالح مؤثرة مع إيران وسوريا وكثير من دول الخليج العربي، وثالث هذه الزوايا قد أصبح اليوم وبعد هذه الزيارة الناجحة بيد مصر، الأخت الكبرى للدول العربية وأفريقيا شمالاً وجنوباً، وصاحبة العلاقات المتميزة مع دول أوروبية في حوض البحر المتوسط ووسط أوروبا. 

لقد أثبت التاريخ، وتجارب الحاضر أيضاً، أن مصر هي الحليف الشرق أوسطي الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فقد سبق وحاول أوباما ومن قبله بوش الرهان على دول أخرى مثل السعودية لما تتميز به من ثروات نفطية ونفوذ واحترام كبيرين في الخليج، لتحل محل مصر في لعب هذا الدور القيادي في المنطقة ولم يجنيا ثماراً تذكر. 

إن على مصر دور كبير كطرف ثالث في هذه المعادلة، أولاً من حيث ضرورة إعادة ميزان الأمور لنصابها الصحيح، مصر الآن هي حليف لا يمكن الاستغناء عنه للطرفين الأمريكي والروسي، والطرف الضامن لاستقرار العلاقة بينهما في مواجهة عدو مشترك هو الإرهاب، وثانياً فمصر أيضاً هي الآن الضامن الحقيقي لأن أي من القوتين العظمتين لن يجور على حقوق المواطنين الأبرياء في منطقة الشرق الأوسط لتحقيق مكاسب سياسية لأي من الطرفين، خصوصاً بعد ما رأيناه من حالة العناد التي كانت تسيطر على الطرفين الروسي والأمريكي بشأن الموقف من سوريا والحرب على داعش على الأراضي السورية والعراقية، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب في ليبيا. 

كل هذا يشكل تحدي جديد لمصر، التي ما زالت تحارب على جبهتها الداخلية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، والرئيس السيسي وجيشنا العظيم ليسا وحدهما في مواجهة هذا التحدي، بل نحن أيضاً كقوى شعبية وأحزاب سياسية ومجتمع مدني شركاء فيه، وعلينا أن ندرك حجمه وخطورته، بأن نركز جهدنا فقط على ما يبني لبنات المستقبل ولا نحمل الدولة أعباء أكثر مما تحتمل الآن، بما يمهد الطريق للقيادة السياسية لتحقيق كل الأمال المعقودة عليها. 


Tuesday, March 28, 2017

الموضوع الأهم في حوار السيسي وترامب


لعل السؤال الذي يشغل الرئيس السيسي وفريقه الآن هو عن النقطة الرئيسية والأهم التي يجب أن تناقش باستفاضة ونخرج منها بنتائج حقيقية ومؤثرة لصالح مصر من اللقاء المرتقب في مطلع أبريل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

هل هي مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، أم مكافحة الإرهاب داخل مصر، أم إدراج الإخوان كتنظيم إرهابي دولي، أم السلام بين فلسطين وإسرائيل، أم إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة في الداخل، أم المساعدات العسكرية؟ 
كلها موضوعات مهمة، وستطرح للنقاش حتماً، ليس فقط بين الرئيسين ولكن في كل المحافل الإعلامية والسياسية التي ستحيط باللقاء، وربما أيضاً في كل وسائل الإعلام التي ستسعى لاستضافة الرئيس السيسي أثناء وجوده في واشنطن، وإن كنت أفضل أن يرفضها الرئيس لأنها في غالبها ستكون محاولة لضرب ترامب من خلال السيسي، أكثر منها إتاحة الفرصة للرئيس المصري أن يقدم وجهة نظر بلده في العلاقات الخارجية التي تربط البلدين وترسم مصير الشرق الأوسط كله. 

لكن تبقى النقطة الأهم من كل ذلك، والتي أتمنى على الرئيس السيسي أن يضعها على قمة أولويات هذا اللقاء، هي مناقشة فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين، ليس عن طريق المساعدات، التي تجعل من مصر حليف مضطر للدولة العظمى، ولكن عن طريق تقديم عروض استثمارية مغرية للجانب الأمريكي، تجعل مصر شريك لا يمكن الاستغناء عنه، وتجعل الرئيس الأمريكي ولو بدافع المصلحة الأمريكية البحتة، يقبل على فتح قنوات اقتصادية جديدة بين البلدين، تبدأ من زيادة تحرير التبادل التجاري، وتشجيع المستثمر الأمريكي على استغلال ما لدى مصر من امتيازات بشرية، من حيث كثرة عدد السكان وتوافر قوة عمل رخيصة التكلفة، وامتيازات جغرافية نظراً لموقع مصر الفريد بين الثلاث قرات الأهم في أي عملية استثمارية في المستقبل. 

لماذا يجب أن يكون الاستثمار والتعاون الاقتصادي هو المحور الأهم في حديث الرئيسين؟ 

أولاً لأن مصر بحاجة لتوفير ما يضمن لها مواصلة مسيرة التنمية الاقتصادية التي بدأها الرئيس منذ توليه الحكم قبل ثلاثة سنوات، والتي اعتمدت في غالبها على منح ومساعدات من دول عربية، كنا نعرف أنها لن تستمر طويلاً، وربما الرقم الزهيد للمساعدات في ميزانية 2016/2017 التي يناقشها البرلمان الآن هي أكبر حافز على أننا يجب أن نبحث عن موارد جديدة وطويلة الأمد، وليس أفضل من فتح فرص استثمارية مع دولة مثل أمريكا كحل لاستمرار التنمية الاقتصادية في مصر، خصوصاً في ظل صعوبة عمل تنمية حقيقية في مجال السياحة الذي يعتبر المورد الأكبر لاقتصاد مصر، بسبب التوتر الممتد في العالم العربي. 

ثانياً الرئيس ترامب هو رجل أعمال قبل أن يكون رجل سياسة، وفهمه للغة الأعمال أكبر بكثير من فهمه للغة السياسة، وحملته الانتخابية "أن نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" كانت كلها تدور على محور توفير الرخاء الاقتصادي للمواطن الأمريكي، وهي خير دليل على أن الاقتصاد هو كل ما يشغل تفكير هذا الرجل، وقد رأينا كيف تعامل ترامب منذ توليه الحكم مع الدول التي لديه هو شخصياً أعمال اقتصادية بها، من خلال شركاته الخاصة، بما في ذلك روسيا التي تعتبر العدو التاريخي لأمريكا. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، مع من نتنافس على جذب المستثمر الأمريكي والحكومة الأمريكية لمصر؟ هناك طرفان يتجاذبان معنا في هذه المعادلة، الطرف الأول هو دول التعاون الخليجي والتي رغم ثرائها واستقرارها تتفوق عليها مصر في القوة البشرية، وحرفية العمالة ورخصها، فضلاً على توافر مساحات كبيرة من الأرض يمكن للمستثمر الأجنبي بناء مصانعه عليها، وتشغيلها، والطرف الثاني هو الصين، التي توازي مصر من حيث حرفية ووفرة العمالة، لكن تتفوق عليها مصر من حيث الموقع الجغرافي، فهي أقرب للولايات المتحدة وأوروبا، وبالتالي تكلفة نقل المواد الخام إليها ونقل المنتجات منها ستكون أوفر بكثير على المستثمر، وكذلك تكلفة تسويق البضائع المنتجة في دول أسيا وأوروبا وأفريقيا ستكون أفضل بكثير لو تم إدارتها من داخل مصانع المستثمرين وشركاتهم في مصر، وأيضاً كون مصر طرف في كل الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة الحرة وما لديها من موانيء برية وبحرية وجوية يجعلها هي الاختيار الأفضل لأي مستثمر. 

لو أن مصر تتمتع بكل هذه الامتيازات الطبيعية، ما العائق إذاً في جذب الاستثمارات الأمريكية أو الأوروبية لمصر؟ التحدي الأكبر ربما هو الاستقرار الأمني والسياسي، وقد قطعت مصر شوطاً كبيراً في هذا الجانب، لكن حتى اليوم لم يتم تسويقه بالشكل الملائم لدى الغرب، وهذا يضع تحدي خاص على الرئيس السيسي في زيارته المقبلة لأمريكا، لتوضيح حقيقة أن مصر أصبح لديها من الاستقرار ما يضمن للمستثمر عدم تهديد مصالحه في المستقبل، أما التحدي الثاني، وربما الأسهل، هو تعقيدات الإجراءات الحكومية التي عادةً ما يواجهها أي مستثمر داخلي أو خارجي، وقد لمسنا جهد واضح من الدكتورة سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي، في الأشهر القليلة الماضية لتجاوز هذه العقبات، لكن ما زال هناك المزيد الذي يجب أن يبذل في هذا الإطار خصوصاً على مستوى الإصلاحات الداخلية في الوزارة نفسها. 

وخلاصة القول، أن موضوع التشارك الاقتصادي بين مصر وأمريكا يجب أن يكون على رأس أي حوار يتم بين الرئيسين، ولو حسن تقديمه والتفاوض بشأنه، سيشكل محور أساسي في التعاون بين البلدين على كل المستويات الأخرى، بما في ذلك المحور الأمني من حيث محاربة الإرهاب في المنطقة، والمحور السياسي من حيث قضية السلام وتوازونات القوى في الشرق الأوسط.


Wednesday, March 22, 2017

الرئيس السيسي كلف المرأة بتنمية الاقتصاد.. فهل نحن جاهزون؟



"وإذا كنت بحاول أكون إنسان كويس، فأنا برضه ال ربتني أمي" هكذا أختتم الرئيس السيسي كلمته في إحتفالية المرأة التي نظمها المكتب الإعلامي للرئيس تحت إشرافه وحرصه على أن يتم دعوة الحضور باسمه هو شخصياً، تقديراً منه للمرأة المصرية التي كانت وما زالت وستظل هي الوتد الذي يقوم عليه هذا الوطن، وصمام الأمان الحقيقي الذي يبقيه صامداً في وجه كل التحديات، مهما عظمت. 

إن احتفال الرئيس السيسي بالمرأة ليس تقليداً جديداً في شكله، لكنه بكل تأكيد جديد تماماً في مضمونه، حيث حرص كل من حكموا مصر منذ عهد عبد الناصر على الاهتمام بالمرأة والاحتفاء بها، وفي بعض الأحيان كان هذا مدعى تفاخر لبعض الرؤساء السابقين أمام العالم، وأحياناً أيضاً لتجميل صورة الداخل والتغطية على مشكلات كثيرة أخرى اقتصادية كانت أم حقوقية. 

وما زلت أذكر ذلك الاجتماع البغيض الذي دعيت إليه ضمن عدد من الحقوقيين للتحدث مع حملة "مرسي الإخوان" في عام 2012، والذين وجدوا أنفسهم في فخ من الأسئلة التي ساقها الزملاء عن مدى احترام جماعة الإخوان للمرأة وحقوقها من الأساس، فما كان منهم أن هرتلوا بأمثلة نسبوها للإسلام تقول أن الإسلام كرم المرأة بأن منحها مثلاً الحق في تلقي أجر من زوجها على إرضاع أطفالها أو تنظيف بيتها، وكانوا يقولون هذا الكلام الهزلي بكل فخر وسط ضحكات مكتومة من الحضور، الذين أيقنوا حينها أن الإخوان ومن هم على شاكلتهم لن يروا المرأة أبداً خارج إطار دورها البيولوجي، أما أن تكون شريك حقيقي في كافة مناحي الحياة فهذا لم يكن أمراً مطروحاً على أجندتهم، ولا عجب إذاً أنهم لم يستمروا بهذا الفكر في حكم مصر سوى عام، مر كقبض الريح وسينساه التاريخ عاجلاً أم آجلاً.    

أما احتفاء الرئيس السيسي بالمرأة المصرية، فهو نابع من علاقة فريدة قائمة على ثقة متبادلة وإيمان أصيل بأن هذا الابن البار هو خير من يقوى على حماية وصون مصر، فلولا دعم المرأة للمشير السيسي وإيمانها الكامل بإخلاصه ووطنيته، ولولا غضب المرأة المصرية على الإخوان المسلمين وتصديها لهم، ولولا اهتمام الرئيس بسلامة كل أم وابنة وأخت، ما كنا قد وصلنا لما نحن فيه الآن من استقرار وسعي نحو الأفضل، وربما لكنا أصبحنا مجرد رقم أخر في مصفوفة الدول المنهارة بالمنطقة.

كان أجمل ما لمسته في كلمة الرئيس السيسي في احتفالية المرأة، والتي اختار لها يوم عيد الأم تحديداً، هو إصراره على إتاحة فرص أكبر للمرأة للعب دور خارج إطار البيت، فقد أصدر السيد الرئيس مجموعة من القرارات كان أفضلها على الإطلاق تخصيص أماكن تابعة للدولة لحضانة الأطفال لتشجيع الأمهات على النزول للعمل، وتخصيص 250 مليون جنيه لدعم المشروعات الصغيرة للسيدات المعيلات. 

ولعل الرئيس بهذه القرارات، يراهن على دور المرأة في الدفع بعجلة الاقتصاد المصري للأمام، تماماً مثلما فعلت على الصعيد السياسي طوال السنوات الماضية، وكلي يقين أن المرأة المصرية لن تخذل الرئيس السيسي في هذا الجانب أيضاً. 

لكن يبقى السؤال الأهم والأصعب عن كيفية تأهيل النساء المصريات لتولي هذه المسؤولية، والاستفادة من قرارات الرئيس الأخيرة، لابد لكي تفعل هذه القرارات وفقاً لرؤية الرئيس أن يتم تأهيل السيدات المعيلات بتدريبهن على كيفية إدارة الأعمال والمبادرات، وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني المهتمة بمجال المرأة والمهتمة بالتنمية الاقتصادية والمجتمعية، وما أكثرهم في مصر.


Wednesday, March 15, 2017

بأي حق تقوم المخابرات الأمريكية بعمليات عسكرية سرية في الشرق الأوسط؟


منح ترامب وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA صلاحية تنفيذ عمليات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، حيث أصبح بإمكان الوكالة تنفيذ هجمات عسكرية باستخدام تكنولوجيا الطائرات بدون طيار ضد أهداف بعينها، في الدول التي تتواجد بها داعش فعلياً، أو يشتبه تواجدها فيها، مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن وأيضاً سيناء. 

وبحصولها على هذه الصلاحية لن تكون الاستخبارات الأمريكية مضطرة للتنسيق مع البنتاجون (وزارة الدفاع) وبالتالي لن تضطر للتنسيق مع أي قوة عسكرية أخرى في المنطقة، مثل القوات الروسية أو الجيش السوري أو الجيش المصري أو حتى قوات التحالف التي تحارب في سوريا الآن، وتستطيع الوكالة تنفيذ عملياتها بشكل سري تماماً دون أن تكون مضطرة لإعلان عملياتها أو تبريرها أمام الرأي العام الأمريكي أو حتى أمام الكونجرس، مثلما هو الحال الآن مع البنتاجون الذي يلزمه الدستور بإعلان وتبرير كل تحركاته العسكرية.  

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى على أنه خطة ذكية لاستهداف قيادات داعش والقاعدة وغيرها من التنظيمات الإرهابية المسلحة في المنطقة، حيث أن العمليات العسكرية التي ستنفذها المخابرات الأمريكية ستتم في سرية وبشكل مفاجيء، وربما تكون أفضل من حيث سرعة التنفيذ وفاعلية النتائج مقارنةً بعمليات الجيش الأمريكي. 

لكن هناك رأي أخر قد يخطر على بال المتأمل لتطورات المشهد السياسي العالمي والصراع المخابراتي المشتعل الآن بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية من جانب، وتصريحات بشار الأسد الأخيرة التي طالب فيها قوات الجيش الأمريكي بالابتعاد عن سوريا ووصفهم بالغزاة الفاشلين في كل حرب من جانب آخر. فما الذي يضمن لنا أن لا تستهدف المخابرات الأمريكية، بهذه العمليات العسكرية، خصومها مثل القوات الروسية داخل سوريا أو بشار الأسد نفسه؟ وما أدرانا أن لا تستهدف هذه العمليات العسكرية مناطق مثل سيناء مثلاً تحت إدعاء محاربة الإرهابيين؟ 

وكالة المخابرات الأمريكية، مثل كل أجهزة المخابرات في العالم، لا يجب أن يتجاوز دورها سوى جمع المعلومات وتحليلها ومساعدة العناصر الفاعلة في صناعة القرار للقيام بمهمتهم بناءاً على دقة هذه المعلومات، أما أن تقوم المخابرات نفسها بعمليات عسكرية وبشكل سري ودون أي محاسبة فهذا أمر مريب ويدعو للقلق. 

على سبيل المثال، في منتصف عام 2016 لعبت المخابرات الأمريكية دور مهم، في إطار عملها المشروع والمعلن، في الكشف عن مكان بن لادن وسهلت استهدافه وقتله، حيث قامت المخابرات الأمريكية بجمع معلومات عن مكان تواجد أسامة بن لادن ثم قدمتها لإدارة أوباما، التي قامت بدورها بتكليف قوات الجيش الأمريكي بضرب المكان الذي يوجد به بن لادن والقضاء عليه، ولم يتطلب الأمر وقتها أن تتم العملية بشكل سري أو أن تقوم المخابرات الأمريكية بالعملية العسكرية بنفسها.

فضلاً عن هذا وذاك، فإن المخابرات الأمريكية، وأي جهاز مخابرات في العالم، ليس مؤهل لاتخاذ قرارات بشن هجوم عسكري من أي نوع على أي هدف أياً كان، مقارنة بقوات الجيش التي غالباً ما يكون لها حسابات أخرى بناءاً على خبرتها في الاشتباك على الأرض، وليس فقط بناءاً على معلومات يتم جمعها وتحتمل الخطأ أو الصواب، مهما بلغت درجة دقتها أو حرفية الجهاز المخابراتي الذي يقوم بجمعها. 

بل السؤال الأهم من كل ذلك، من أعطى أمريكا أو مخابراتها حق القيام بعمليات عسكرية داخل دول الشرق الأوسط بشكل سري وبدون التنسيق مع القيادات السياسية والعسكرية لهذه الدول، حتى لو كان الهدف من هذه العمليات هو استهداف بؤر إرهابية، أين احترام سيادة الدول من هذه المعادلة، وكيف يمكن لنا أن نصنف مثل هذه الهجمات السرية على أنها ليست اعتداء على الدولة نفسها قبل أن تكون اعتداء على الإرهابيين المتواجدين بداخلها؟

أتمنى أن يخيب ظني، وأن لا يكون ترامب نسخة أحدث من بوش الإبن، الذي سبق ودمر العراق وأفغانستان تحت شعار الحرب على الأرهاب، وأن لا تذوق أي من دول الشرق الأوسط المأساة التي ما زالت العراق غارقة فيها منذ خمسة عشر عاماً. 


Wednesday, March 08, 2017

Egypt's first female governor: A glimpse of hope and a slap to Islamists


This is a special year on Egypt’s calendar. Egyptian President Abdel Fattah el-Sisi chose 2017 to be the “Year of Women.” Egyptian women from all social, religious, and educational backgrounds have been strong assets to the progress of democratization in Egypt throughout recent years. They not only helped the country take necessary steps toward liberal democratization, but also have acted as the safety valve that has kept our nation sane in the center of an insane Middle East.

The intensive presence of women in all major political activities in the past years made the Egyptian leadership realize that democratization is not possible without the proper participation of women—not only as public citizens, but also as decision-makers. The new quota system enabled an unprecedented number of 89 exceptional women to be Members of Parliament. In addition, the number of women ministers increased in February of this year to one-third of the Ministerial Cabinet.  

Yet, the most thrilling achievement that Egyptian women have earned is the appointment of the first woman governor this February: Nadia Abdo, an engineer. Ms. Abdo’s outstanding professional biography qualified her to lead as the Governor of Al-Beheira, a governorate with challenging needs and a majority population of farmers and fishermen who have limited access to education and the urban luxuries we enjoy in Cairo.  

Since Ms. Abdo’s appointment, the extremist Salafi groups have been angrily protesting the decision and accusing President el-Sisi of acting against God’s Will by choosing a woman to rule over men. Daring to give such a significant blow to extremists by empowering a deserving woman is in itself a promise of a better future for Egypt and for the many young aspiring women who struggle on a daily basis with barren patriarchal social norms and extremist fatwas.

Monday, March 06, 2017

حقائق تجاهلها تقرير الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في مصر



هل يمكن أن نلوم غريباً صفق لقريب على إساءته الظن والتقدير؟ دارت هذه الفكرة في رأسي بينما كنت أطالع تقرير الخارجية الأمريكية عن حالة حقوق الإنسان في مصر، والذي أبرز في مقدمته إحصائيات تدعم إدعاءات سبق دحضها مراراً، تستهدف الأداء الأمني لوزارة الداخلية والقوات المسلحة تحديداً، بدءاً من تشديد القبضة الأمنية على المدافعين عن حقوق الإنسان ووجود حالات الاختفاء القسري بالمئات وسوء ظروف الاحتجاز، معتمداً على تقارير صادرة بالفعل عن المجلس القومي لحقوق الإنسان. 

فقد ذكر تقرير الخارجية الأمريكية هذه الإدعاءات دون أن يعقبها بالردود الرسمية التي قدمتها الدولة، وإن كان ذلك يمثل قصور واضح في بنية التقرير، إلا أنه مبني على تقصير مدمر من جانب المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي خالف دوره كثيراً، بتشكيله الحالي الذي يغلب عليه صبغة المعارضة السياسية، في دعم مصر لتنفيذ أجندة التنمية الحقوقية، واقتصر دوره فقط على إصدار مثل هذا التقارير بين الحين والآخر دون أن يقدم حلول أو أي انتقادات بناء لا هدم، وهذه مسألة سأفندها تفصيلاً في مقال لاحق، حتى لا يخرج هذا المقال عن موضوعه الأصلي وهو تقييم التقرير الذي أصدرته الخارجية الأمريكية بالأمس عن حالة حقوق الإنسان في مصر.

أولاً من الناحية الفنية، فإن التقرير ضعيف للغاية، حيث اعتمد في أغلبه على أخبار متداولة في وسائل الإعلام دون حتى أن يذكر مصادر هذه الأخبار حتى يتحرى القاريء مدى مصداقية ناقليها، وفي بضعة مواضع أخرى اعتمد التقرير على النقل من تقارير صادرة عن بعض المنظمات الحقوقية المحلية، التي قام بتجهيل أغلبها، ولم يذكر منها إلا منظمتان فقط، هما منظمتان غير شرعيتان وتعملان خارج إطار القانون ومعروف عنهما إصدار تقارير وأرقام مبالغ فيها وغير موثقة، كما أعتمد أيضاً في بعض المواضع الأخرى على النقل عن منظمة العفو الدولية، وهي المنظمة سيئة السمعة والمعروف عنها تحيزها الشديد ضد مصر بسبب وجود قيادات داخل المنظمة ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين.

ثانياً من ناحية التوثيق، تعمد التقرير تجاهل كل المجهودات التي قامت بها الدولة في إطار: 

1. تنمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكل المشروعات الضخمة التي قامت بها الدولة لتوفير حياة كريمة لسكان المناطق الخطرة وإنهاء ظاهرة العشوائيات، في إطار سياسة عامة لمحاربة الإرهاب بالتنمية وليس بالسلاح فقط، وتوفير المناخ المناسب الذي يستطيع به المواطنون ممارسة حقوقهم الإنسانية والمدنية التي يكفلها الدستور، وهو نهج كانت قد اعلنته الولايات المتحدة نفسها تحت إدارة أوباما، وروج له الأكاديميون والباحثون هناك كثيراً.

2. محاربة الفساد المالي والإداري، حيث ذكر تقرير الخارجية الأمريكية وقائع فساد تعود لأعوام 2011 – 2013 وحمل مسؤوليتها على عاتق القيادة السياسية الحالية في مصر، مع العلم أن الرئيس السيسي لم يتولى الحكم إلا في منتصف 2015، وأبرز التقرير إدعاءات المستشار هشام جنينة عن الفساد الذي يقدر بالمليارات رغم أنه هو بنفسه لم يستطع إثباتها حين واجهته النيابة، في حين تجاهل التقرير تماماً كل المجهودات الجبارة التي تقوم بها هيئة الرقابة الإدارية في مصر منذ عامين وأدت لتطهير قطاع كبير من أجهزة الدولة من كبار الفاسدين، بما في ذلك وزراء وموظفين حكوميين في مناصب رفيعة. 

3. رعاية اللاجئين، إذ أسهب تقرير الخارجية الأمريكية في ذكر أرقام بالمئات للاجئين وطالبي لجوء سياسي قامت مصر بتعذيبهم وحبسهم وقام المجتمع بالتمييز ضدهم، في مغالطة فجة للواقع، فلسنا مثل دول أوروبا التي تضع اللاجئين في مخيمات على الحدود، تفتقر لأبسط الاحتياجات الإنسانية، بل إن اللاجئين في مصر يعيشون بين أهل البلد ويحصلون على ما يسعون إليه من فرص عمل مثلهم مثل أي مواطن مصري، ولم نرى واقعة واحدة قام فيها مصرييون بالتمييز ضد أي لاجيء.

بالإضافة إلى ما سبق، فقد تجاهل التقرير تماماً حقيقة أن مصر تخوض حرب ضارية ضد الإرهاب، وأن حماية وضمان الحقوق المدنية وحقوق الإنسان في ظل هذه الأمور أمر في غاية الصعوبة، ولا أقول ذلك لتبرير أي تقصير في حماية هذه الحقوق، ولكن لأن هذا واقع الأمر الذي يجب أن يعلمه العالم، فليس منطقياً أن يلوم التقرير مصر على منع سفر الصحفيين أو منظمات المجتمع المدني إلى سيناء، واعتبار ذلك تقصير في الحق في حرية التنقل، متجاهلاً الحرب الدائرة هناك، أو أن يلوم التقرير القيادة السياسية في مصر على العمليات الأرهابية التي وقعت في حق المواطنين المسيحيين وممتلكاتهم، متجاهلين تماماً ما قامت به الدولة لإصلاح ما هدمه الإرهابيون، أو أن يلوم التقرير على تعريض الإرهابيين لمحاكمات سواء مدنية أو عسكرية، أو حتى تصفيتهم في اشتباكات مسلحة دفاعاً عن الأرض وسلامة الوطن، مثلنا في ذلك مثل فرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية التي تعرضت لهجمات إرهابية لا تساوي واحد على مائة مما يدور في مصر. 

بقي أن نذكر أن هذا التقرير قد كتب في السنة الأخيرة من عهد الرئيس أوباما، وهذا ما يجعلنا إلى حد كبير متفهمين ما وراءه من دوافع جعلته يخرج بهذا الشكل الهزيل وهذا الكم من المغالطات، ونأمل أن تكون بداية العهد الجديد في العلاقات المصرية الأمريكية سبيلاً لفهم أعمق لما تمر به مصر من تحديات. 

Thursday, March 02, 2017

كيف وصلت داعش إلى سيناء؟


أن تضطر عشرات الأسر المصرية لترك بيوتها في مدينة العريش لتلجأ إلى الكنيسة الإنجيلية في مدينة الإسماعيلية المجاورة، فراراً ممن يستهدفونهم بالقتل والحرق على أساس انتمائهم الديني، هو مشهد مؤلم وحزين، لكنه ليس مفزعاً لمن استقر في قلبه عظمة هذا الوطن وهذه الأرض التي كانت على طول تاريخها مقبرة للأعداء. 

سكنت عصابات الإرهاب سيناء في وقت مر به الوطن مضطراً بلحظة وهن ما كان بيدنا أن نتحاشاها، بدأت معركتنا مع الإرهاب في سيناء منذ وقف المصريون على قلب رجل واحد في وجه جماعة الإخوان وأسقطوها قبل أن يسقط الوطن في براثنهم، فاستفحلت حماس في تمزيق قلب الوطن في سيناء، ثأراً لجماعتهم الأم وتنفيذاً لوعيد قيادات الإخوان، أمثال محمد البلتاجي الذي قال نصاً إن "الإرهاب في سيناء لن يتوقف إلا بعودة مرسي".

وما أن تلاشت أسطورة عودة مرسي، وأغرق الجيش المصري أنفاق حماس التي كانوا يتسللون عبرها كالفئران لإمداد عناصرهم الإرهابية بالمؤن والسلاح لقتال الجيش المصري، وأيقن الإخوان أنهم هالكون لا محالة، أجرت حماس تحالفات آثمة مع العناصر الإرهابية الشاردة داخل سيناء، أفرزت عصابة إرهابية جديدة باسم أنصار بيت المقدس، لتكمل مسيرة العنف والترويع، ومنذ عام، قامت هذه العصابة بمبايعة داعش عبر فيديو نُشر على الإنترنت، وأعلنت نفسها باسم جديد وهو داعش سيناء. 

ما سردته آنفاً من حقائق يثبت أن أعدائنا في سيناء، ما هم إلا عصابة واحدة بأسماء مختلفة، محدودة القدرات والعتاد والرؤية، ليس لديها أي استراتيجية حقيقية، ولا تستطيع سوى ممارسة أعمال العصابات من استهداف أفراد من قواتنا المسلحة أو مواطنين أبرياء في منازلهم أو حتى القيام بتفجيرات بين الحين والآخر، لتوحي زيفاً بأن القوات المصرية غير قادرة على السيطرة، ويعتمدون في ذلك على الروابط القبلية لعناصرهم، ومعرفتهم الجيدة بالمنطقة وتضاريسها، وقدرتهم على الاختباء في أماكن وعرة يصعب على أي قوة جيش نظامية الوصول إليها.

فمن المعروف بالعلم والممارسة، أن حرب العصابات تتطلب مجهود أكبر بكثير من قوات الجيش للتعامل معها عن أي حرب عادية ضد جيش نظامي معادي.  

وبالرغم من ذلك، استطاع الجيش المصري أن يقضي على تسعين بالمائة من العناصر والعمليات الإرهابية في سيناء على مدار الثلاثة أعوام الماضية، في الوقت الذي اهتمت فيه القيادة السياسية بتنمية العاصمة ومحافظات وادي النيل وقناة السويس، وشهدنا بأعيننا خروج مصر من عتمة النفق الذي دخلناه فيما بعد ثورة يناير إلى براح مشرق وواعد، في وقت قياسي. بل وقفت مصر مدافعة عن مصالح دول أخرى في المنطقة تعاني ويلات الإرهاب، ودافعت عنها دبلوماسياً وعسكرياً، ونتج عن ذلك مزيد من الضعف في صفوف العصابة الإرهابية الأكبر داعش في سوريا. 

فكان من المنطقي، أن تحاول داعش وحماس والإخوان من وراءها أن تقض مضجع مصر بطريقين: 

أولهما، شغل الرأي العام في مصر والشرق الأوسط، بإعادة تصدير أكذوبة أن اتفاق ما جرى بشأن توطين الفلسطينيين في سيناء، خصوصاً في ظل تقارب حذر، ما كان يجب أن يتم أصلاً، بين القيادة السياسية في مصر وقيادات حماس على إثر توترات سياسية لا محل لها من الإعراب دبت بين الرئيسين أبو مازن والسيسي على خلفية طلب مصر والإمارات تمكين محمد دحلان من العودة لفلسطين وممارسة حقه في المشاركة في الحياة السياسية من خلال حركة فتح، وهو الأمر الذي دفع أبو مازن للتودد إلى الدوحة وإسطنبول سعياً للحفاظ على منصبه، في حال نجح دحلان في منافسته، وهو أمر متوقع جداً.

وثانيهما، تصعيد حدة العنف واستهداف المواطنين المسيحيين في العريش على أساس طائفي، بالتوازي مع إطلاق صاروخين بشكل عشوائي في صحراء إسرائيل، والتي لم تصب أي هدف يذكر، وهدف عصابة الإرهاب التي تسمي نفسها داعش في سيناء من ذلك هو: 
أولاً أن تحدث توتراً بين مصر وإسرائيل بما يخفف من حدة التعاون العسكري بين الطرفين ضد عناصرهم داخل سيناء، وهو ما فشلت فيه داعش حيث ازدادت ضراوة الضربات العسكرية ضدهم، 
وثانياً ترويع المصريين بشكل عام وإحداث حالة من الارتباك السياسي، وهو ما نجحوا فيه جزئياً بإجبار الأسر المسيحية في العريش على الفرار إلى الإسماعيلية، 
وثالثاً الحفاظ على صورة العصابة أمام مموليها وداعميها خصوصاً بعد أن فقدت قوتها في حلب وكثير من المدن السورية، 
ورابعاً باستهدافها الوهمي لإسرائيل بصواريخ في الفراغ، واستهدافها المباشر للمسيحيين في العريش، فإنها تحاول كسب شرعية وتأييد لدى المتشددين دينياً في العالم العربي. 

ونحن إذ نتابع هذا المشهد البغيض، علينا أن نعرف عدونا جيداً، فالمنطق والتجربة يقولان بأنه ليس ثمة خلاف بين داعش (أنصار بيت المقدس سابقاً) وحماس (ابنة الإخوان)، على الرغم من الوعيد الذي سمعناه في فيديوهاتهم، فما هذا إلا إعلان أو حملة تسويقية لتبدو داعش وكأنها هي أهم حركة إرهابية في المنطقة سعياً للحصول على المزيد من الأموال والسلطة من أصحاب المصلحة في تدمير بلادنا. 

في النهاية كلهم عصابة واحدة بأسماء مختلفة، قد يكون بينهم خلافات على السلطة أو التمويل، لكن عقيدتهم واحدة وهدفهم واحد وهو النيل من مصر وأمنها، وهو الأمر الذي أوقن تمام اليقين أن جيشنا لن يسمح به أبداً، مهما طالت المعركة واشتدت.